جزائريون بقلب فلسطيني
ليس أبلغ من أن يترك المرء بصمة تؤكد أنَّه مرَّ من هنا مروراً مؤَثراً ......
وأنَّه قد أدَّى رسالة لها ملامحها الخاصة وطابعها المتميز......
وحفر اسمه بيديه ثقةً و إصراراً في خلد الزمن........


فلا تبخلوا علينا بمواضيعكم المفيدة, او ردودكم الجميلة............
مع خالص حبي و احترامي....
ادارة المنتدى

حينما بكت الجزائر فلسطين

اذهب الى الأسفل

حينما بكت الجزائر فلسطين

مُساهمة  baali82 في الإثنين أغسطس 20, 2012 11:14 am

على ذروة جبل الشريعة في البليدة أخذت أنظر إلى المروج والروابي والتلال المحيطة· كنت أرى نفسي في أعالي جبال الجليل شمال فلسطين· فتأخذك عظمة الإحساس وأنت تحلق في أعالي جبال عزيزة واعتدال الروح في سموها·هناك شيء ما بين هذه الأرض في الجزائر وبين فلسطين، منذ ستة أشهر وأنا في الجزائر أحاول أن أتلمس دلالة هذه العلاقة، وأحاول الوقوف على أوجه الشبه بين صورة الجزائر وصورة فلسطين، لا التقط بيقين ما سر الحميمية بين هنا وهناك، ولكني على يقين بأن هناك ما يكوننا معا·أحيانا أفسر أن تشابهنا مرده إلى تكوين انفعالي شكلته عقود من المأساة والوجع العميق وظروف استعمار فرنسي وصهيوني مارسا قسوة على كلا الشعبين بشكل لم تشهده شعوب أخرى، إن كمية القوة المفرطة وأصناف التنكيل الذي تعرض لها الشعبين، دفعا إلى تبلور سمات مزاجية ونفسية متقاربة، فالحساسية والاعتزاز بالنفس والمزاج الحاد والاندفاع نتاج تكوين تاريخي لظروف مجتمعية متشابهة·حينما أبحث عن التفاصيل واجد ما يشبهنا، أكتشف تفاصيل أخرى-ربما أكثر أهمية- فأبدأ رحلة الاكتشاف مرة أخرى، ما الذي يجعلني مصرا على وجود التشابه بين الفلسطيني والجزائري، ولدرجة التطابق في أحيان كثيرة· هل هو سحر الجزائر في اخضرار سهولها، ودفء شطآنها، دلال أشجارها الباسقة، تموج وديانها، نار صحرائها، هي صور لطبيعة تتجلى بأرشق تعبيرات للبصر، يستأنس الموجوعون بجمالها، هنا أكتشف أشياء من جنات فلسطين التي سرقت·لقد ترددت طويلا أن أعلن حبي للجزائر، ليس شكا بهذا الحب، ليس غرور العاشقين، وليس خجل المحبين، ولا هو كتمان عفة، إنما نحن الفلسطينيون كتب علينا أن نعلن دوما عن وافر الشكر لهذا الشقيق أو ذاك حتى لا ينقطع عنا دعمه، أو يفلت علينا شره، أو يرتاب من أمرنا، مما يضر بقضيتنا ويشتت انتباهنا عن عدونا، إنه شكر تفرضه نواميس السياسة وواجب الأدب، خشيت أن أعلن حبي للجزائر، فيظن بي الظانون أنني أمضي على سيرة المجاملين· لذلك ترددت، وفكرت، وأحجمت طيلة الشهور الماضية أن أقول للجزائر أني أحبك، ربما الآن جاءت لحظة البوح كما هي حال العاشقين المتعبين بسرهم الكبير·حب تلمسته يداي في الجزائر التي تحب فلسطين بلا نفاق، إحساس بأن بيننا وبين الجزائر ملحمة دم متشابهة، انتهت هنا في مشاهدها الأخيرة بإعلان انتصار دم الجزائر على بندقية الجلاد الفرنسي، لكنها لم تكتمل هناك في فلسطين، فما زال الوريد يضج بالدم الزكي الطهور بلا توقف أو انقطاع· هنا ثمن من الشهداء لم تكرره تواريخ الثورات أو الشعوب، حجم مفرط من بنادق القتلة ضد الجزائر، هناك في فلسطين ثمن سخي تدفعه كل شجرة زيتون، كل حجر شيده تاريخ الآباء، كل لحظة هناك تؤذن باقتراب موت وجنازة·هنا يقابلك الجزائريون صغارا كبارا ومن كل الطبقات وبكل لهجاتهم من الشمال للجنوب ومن الشرق إلى الغرب، أهل السهل والجبل والوادي، لتعلم بيسر ان الجزائريين يتوارثون الكرامة وحب فلسطين، هناك يمكنك أن تسأل أي فلسطيني حتى الذين لم يدخلون المدارس ليقولون لك أن الجزائر بلد الشهداء والثورة الحمراء، هناك يتعلم الفلسطينيون بشكل يومي درس الدم الجزائري الذي سال زكيا فأينع وردا في ضفاف المقل، أو حصة لتدريب الفلسطيني على الموت بلا دموع في تقوس الخدود·قال لي سائق الأجرة البسيط الذي ركبت معه: ''نحن كما قال الرئيس الراحل بومدين مع فلسطين، ظالمة أو مظلومة''، هي نفس الجملة التي قالها لي صاحب المتجر، نفسها التي قالها لي عاطل عن العمل في مقهى، وقالها لي طالب جامعي، والرجل المسن الذي جلس بجواري في حافلة النقل، هل هي مصادفة أن يحفظ كل هؤلاء الناس نفس الجملة؟ أم هي ثقافة حب لفلسطين وأرضها؟ أليست هي شيم الكرام الذين لا يرضون ضيما لأرض الإسراء والمعراج·ألا يكللني هذا الإحساس بالمجد وأنا امتلك محبة من هؤلاء الأباة؟ أليس ميزة أن تحبني الجزائر كفلسطيني بكل هذا الفيض من النبل؟قبل أيام فازت الجزائر في مبارة كرة القدم على زامبيا، فاحتفلت الجزائر في كرنفال مثير بهذا الفوز وتزينت الشوارع والحافلات والسيارات بأعلام الجزائر، لكن علم فلسطين كان حاضرا بين أعلام الجزائر، وهو ما تكرر في أكثر من مناسبة، مما دفع صديق لي هنا ليبعث برسالة إلى صديقه في غزة ليقول له، ''إنها مفارقة عجيبة أن تجد علم فلسطين حاضرا هنا مع علم الجزائر في كل مناسبة لها''، لم يكن سؤالا من صديقي أو استفسارا، بل كان شهادة لهذا البلد، استثناء على شعار الفلسطينيين ''يا وحدنا''، تجاوزا للمألوف العربي معنا، مناصرة لعذاب الفلسطيني الذي يئن بلا ظهر يسنده، إقرارا بالحب من وإلى هذا البلد·

أثناء الاعتداء الصهيوني على غزة في بداية هذا العام، وحين كان الدم الفلسطيني يستباح على الملأ، وأشلاء الأطفال تتناثر في شوارع غزة، وقفت سيدة جزائرية عجوز على باب سفارة فلسطين، صرخت مستغيثة أن تذهب لتقاتل في فلسطين، وحين كان صعبا أن تحقق أمنيتها التي ربما تكون الأخيرة، انفجرت في بكاء يهز الأفئدة والضمائر، كانت هذه السيدة تجسد الجزائر كلها، كانت تبكي وأعين الجزائر كلها تبكي معها· هذا المشهد جسد ما بين الجزائر وفلسطين من تاريخ وحاضر، استوجب مني البكاء على أهلي الذين يذبحون مرة، وعلى وجع المرأة وحزنها مرة ثانية· بعد ذلك كله، أليس لي أن أعلن حبي للجزائر بلا تردد أو حرج·

baali82
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 17/08/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى